ابن قيم الجوزية
190
الروح
بأمور الدنيا ، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته ، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم . وقد أخبر اللّه سبحانه عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم . وأخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين كنوح وإبراهيم ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم . . فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه فكأنه من سعيه . يوضحه أن اللّه سبحانه جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم ، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ، وقد دل على ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو بن العاص : « إن أباك لو كان أقر بالتوحيد نفعه ذلك » يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته . فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق . وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا . وقالت طائفة أخرى : القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره ، وإنما نفى ملكه لغير سعيه ، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى ، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه ، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه ، فإن شاء أن يبذله لغيره ، وإن شاء أن يبقيه لنفسه ، وهو سبحانه لم يقل : لا ينتفع إلا بما سعى ، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها . فصل [ نفي عقوبة العبد بعمل غيره ] وكذلك قوله تعالى لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ « 1 » وقوله وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على أن هذه الآية أصرح في الدلالة على أن سياقها إنما ينفي عقوبة العبد بعمل غيره وأخذه بجريرته ، فإن اللّه سبحانه قال فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 2 » فنفى أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته أو ينقص من حسناته أو يعاقب بعمل غيره ، ولم ينف أن ينتف بعمل غيره ، ولا على وجه الجزاء ، فإن انتفاعه بما يهدي إليه ليس جزاء على عمله ، وإنما هي صدقة تصدق اللّه بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعي منه ، بل وهبه ذلك على يد بعض عباده لا على وجه الجزاء .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 286 . ( 2 ) سورة يس ، الآية 54 .